حيدر حب الله
559
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
ومنه أيضاً يظهر أنّ قولهم بأنّ الأخذ بقول الجارح مطلقاً يوجب الأخذ بالشهادتين غير واضح على إطلاقه بناء على مثل كون العدالة هي ملكة ، وليست مجرّد حسن الظاهر ، وأنّها هي سيرة مستمرّة راسخة لديه ، كما ألمح إليه السيد العاملي صاحب المفتاح « 1 » . 1 - 2 - أما مع بقاء كلّ من الإفادتين على حالهما ، ولو مع أقوائيّة الاحتمال في واحدة منهما عن الأخرى ، سقطت الإفادتان ، ولم يقدّم لا قول الجارح ولا قول المعدّل ؛ عملًا بقاعدة التعارض المقرّرة في علم الأصول . والترجيح بالأعدليّة والأورعيّة والأضبطيّة والأعلميّة وأمثالها لم يثبت بدليل تعبّدي ؛ لضعف الأخبار سنداً هنا مع قلّتها ، وعدم حصول اطمئنان بصدورها ودلالتها معاً ، فلا قيمة لعناصر القوّة حينئذٍ ما لم تكن بحيث تُسقط الطرف الآخر عن درجة الحجيّة كما قلنا ، وهذا هو مقتضى البناء العقلائيّ أيضاً . وهذا الكلام بعينه ينطبق على أشكال التعارض الأخرى من حيث نوعيّة الإفادات والمعلومات المقدّمة فيها . 2 - أمّا إذا بنينا على أنّ الحجية هنا من باب الشهادة ، فتجري قواعد تعارض البيّنات التي بحثوها في الفقه ، ومقتضى القاعدة هو التساقط ، لكن وفقاً للبيان الذي ذكرناه في مبنى حجيّة خبر الواحد الثقة . 3 - وأما إذا بنينا على أنّ الحجيّة هنا من باب حجيّة قول أهل الخبرة ، ولم يمكن الجمع العقلائي بين الإفادتين : 3 - 1 - فإذا أخذنا في حجيّة قول أهل الخبرة شرط الوثوق ، سقطت الإفادتان هنا ؛ لانعدام الوثوق فيهما بتعارضهما ؛ لأنهما تلقائياً سوف ينزلان عن رتبة الوثوق إلى الظنّ مثلًا ، وهذا لا يفيد بناءً على اشتراط الاطمئنان في حجيّة قول الخبير . إلا إذا قلنا بأنّه بعد التعارض ظلّت إحدى الإفادتين مفيدةً للوثوق ؛ لخصوصيّة قوّةٍ فيها ، كما قلنا . نعم ، لو تمّ العثور في إحدى الإفادتين على ما يهدم قوّتها والوثوق بها لوحدها بصرف
--> ( 1 ) انظر : مفتاح الكرامة 8 : 273 ؛ والفاني ، بحوث في فقه الرجال : 135 - 136 .